هبوط آدم إلى الأرض
هبط آدم إلى الأرض وعلى رأسه تاج من شجر الجنة وألقى نفسه على قمة جبل في الهند وحيداً فراح يتلفت إلى اليمين واليسار ويدور على عقبيه ويمد بصره إلى الأفق البعيد فلا يجد إلا الأرض والسماء فيحس رهبة وخوفا وتذكر الجنة ، تذكر أنه كان سعيداً بجوار الله تعالى لكنه الآن مطرود من الجنة لا يدري ما يفعل وعاد وحيداً كما كان فأين حواء التي كانت معه في الجنة ؟ أين هى الآن
إنه لا يحس نحوها إلا بشوق وحنين للقائها ، وكان كل رجائه أن يلتقي بها على وجه الأرض لقد هبط آدم من على الجبل وظل يتلفت باحثاً عن حواء ، ولم يجد لها أثراً ، فدمعت عينه وسالت دموعه يبكي فراق الله تعالى في الجنة وفراق حواء الآن على الأرض وفي نفس الوقت كانت حواء هناك في أرض مكة فوجدت نفسها وحيدة فلا آدم معها ولا هى تجده لتتحدث معه ولا شئ سوى الصمت والسكون والفضاء فلم يكن هناك مخلوقات من البشر إلا هى وآدم وهما الآن مفترقان ذهبت تبحث عن آدم فلم تجده وتمنت لو كان معها ليشاركها آلام الوحدة وبكت حواء حتى كادت تموت من كثرة البكاء ونامت حواء في مكة ونام آدم في الهند وبدأ النهار يغزو الليل فأشرقت شمس السماء فقام آدم من نومه ليشاهد أول صباح على وجه الأرض وهو يراقب الشمس وهى تشرق بنورها وأما التاج الذي كان يلبسه فإنه قد جف حتى تمزقت أوراقه وتقطعت وسقطت الأوراق على الأرض فنبت الطيب في أرض الهند وذهب آدم يسير في الأرض الواسعة فلا يرى إلا نفسه فقال : يارب أليس في هذه الأرض أحد غيري يُسبحكُ ويحمدك إلا أنا ؟
فأقبل صوت الله تعالى يقول لآدم
سأجعل في هذه الأرض من ولدك وذريتك من يُسبح بحمدي ويُقدس لي وسأجعل بيوتاً يذكرني فيها المؤمنون
- وسأجعل من هذه البيوت بيتاً لي أسميه باسْمي وأجعله حرماً آمناً وأجعله أول بيتٍ وضع للناس يأتون إليه من كل مكان يُسبحون بحمدي ،
ويُلبون (أي يقولون) : لبيك اللهم لبيك
من جاء إليه يحُج فإنه ضيفي وحقٌ على الكريم أن يكرم ضيفه ، تعْمرهُ أنت يا آدم ومن بعدك من الأنبياء والأمم ، نبياً بعد نبي وأمةً بعد أمةٍ
وكان آدم عليه السلام ذكياً فلما أخبره ربه بأن له ذرية علم أنه سيقابل حواء ويلقاها ولكنه فكر في شئ آخر إنه { بيت الله }الذي سيعمره هو ويذكر فيه الله لقد اشتاق آدم إليه وأراد أن يذهب إليه ويراه ويطوف به كما كانت تفعل الملائكة حول عرش الله تعالى في السماوات وجرى آدم بسرعة
وراح آدم يسرع في المسير ليصل إلى مكة حتى يصل إلى بيت الله وهناك رأى من بعيد صورة شبح يسير هو الآخر ويسرع فاقترب منه ، وراح يتبين من هذا الذي يسير أمامه وفجأة وجدها هى إنها امرأة إنها حواء وازدادت ضربات قلبه وأسرع نحوها كطائر سريع يضرب بجناحيه الهواء فرحاً مسروراً إنها حواء ، حبيبة الفؤاد ، وحبة القلب ، والزوجة ، والباقية من ذكريات الجنة ولما رأته حواء ارتمت في أحضانه وبكى كل منهما للقاء الآخر فرحاً ومسروراً لقد التقى آدم بحواء وتعارفا بمكة فسُمي مكان لقائهما وتعارفهما ( عرفات ) والذي صار جبلاً يتعارف فيه المسلمون كل عام بعد ذلك في مناسك الحج وذهب آدم إلى بيت الله مع حواء فإذا هو ياقوتة واحدة فطافا حول البيت وقاما بمناسك الحج والعُمُرة ثم عادا إلى الهند وسكنا في مغارةٍ ينامان فيها بالليل وبدأتْ الحياة على وجه الأرض وأحس آدم بشئ غريب إنه الآن يحس بشئ يعضه في بطنه وأحس بالضعف يسري في جسده ونزل جبريل فوصف آدم له ما يحس به
فقال جبريل : إنه الجوع يا آدمفقال آدم : الجوع ! وماذا أفعل يا جبريل ؟
فقال جبريل : استطعمْ ربك ( أي اطلب منه الطعام )
وتذكر آدم تلك الأيام التي قضاها في الجنة والنعيم الذي كان يعيش فيه فبكى وبكت معه حواء ودعوا الله أن يطعمهما واشتد الجوع على آدم فصرخ وراح يدعو ربه دعاءً شديداً فبعث الله إليه جبريل ومعه بعض حباتٍ من القمح فوضعها في يد آدم فنظر آدم إلى القمح ثم قال لجبريل : ما هذا ؟
قال جبريل : هذا الذي أخرجك من الجنة
قال آدم : وما أصنع بهذا
قال جبريل : ابذره في الأرض
فبذره آدم فأنبته الله تعالى من ساعته فنظر آدم وهو جائعٌ إلى القمح فقال : هل آكله ؟
قال جبريل : احصده
قال آدم : أحصده ؟ كيف ؟
فعلمه جبريل كيف يحصد القمح فراح آدم يعمل وحصد آدم القمح وهو يشعر بتعبٍ شديدٍ
فقال جبريل : افركه
فقال آدم : أفركه ؟ كيف ؟
قال جبريل : افركه بيدك ففركه آدم بيده ونزل العرق من جبهته والجوع يعض في بطنه فجاء إلى جبريل
فقال آدم : آكله الآن ؟
قال جبريل : أذره
قال آدم : أذروه ؟ وكيف أذروه ؟
فعلمه جبريل كيف يذروه ؟
ونال التعب من آدم عليه السلام ولكنه جائعٌ وكذلك حواء جائعةٌ وبطنه تصرخ جوعاً فليعمل إذن حتى يأكل ولما انتهى ظن أنه سيأكل ولكن جبريل قال له : اطحنه
فقال آدم : أطحنه ؟ وكيف ؟
فجاءه جبريل بحجرين : فوضع حجراً على الآخر وقال له : اطحنه بهذا الحجر
وطحن آدم القمح بالحجرين وهو قد عرق حتى سال عرقه على الأرض وقبل أن يتوجه آدم إلى جبريل ليسأله
قال جبريل : اعجنه
قال آدم في صوت مخنوق : أعجنه ؟ وكيف ؟
فأمره أن يأتي بالماء ويضع القمح المطحون الذي أصبح دقيقاً في وعاءٍ وعلمه كيف يعجن وعجن آدم ولما انتهى من العجن فرح لأنه الآن سيأكل ولكن جبريل أسرع فقال : اخبزه
قال آدم وقد خارت قواه وضعف : وكيف أخبز
قال : أشعل ناراً
قال آدم : كيف ؟
قال : اجمع بعض أغصان الشجر اليابسة
ومشى آدم في الأرض ليجمع الأغصان اليابسة
وعلمه جبريل كيف يضرب حجراً بحجر حتى يشعل النار فاشتعلت الأغصان حتى صارت ناراً ومد آدم يده إلى النار فاحترقت فصرخ فقد احترقت يده
فقال جبريل : أحرقتك النار لأنك عصيت الله
وخبز آدم الدقيق الذي عجنه
فقال جبريل : الآن ...... الآن كُل يا آدم
وعاد جبريل إلى السماء وأكل آدم وأكلت حواء
وسكت الجوع وبدأ القلب في التفكير مع العقل وتذكر آدم قول الله له يا آدم إن هذا عدوٌ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وبكى آدم وتلقى من ربه كلماتٍ فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم وقال آدم : يارب ألم تخلقني بيدك ؟
قال له : بلى
قال : ونفخت في من روحك ؟
قيل له : بلى
قال : أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة ؟
قال : نعم
وتمنى آدم اليوم الذي سيعود فيه إلى الجنة
